الشيخ محمد زاهد الكوثري
72
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
فمحاولة الكاتب التمسّك باجتماع الكتب على تخريج الحديث ، وعدّه لذلك أوسع المذاهب للتخلّص من التواتر : مما يذهب هكذا أدراج الرياح عند من تدبّر ما ذكرناه . ثم دعواه الإسراف في الحكم بالتواتر قديما وحديثا ، إبعاد في النّجعة ، وليس مثل هذه الدعوى المجردة مما يسمع من مثله ، بعد أن ساق أهل الشأن الطرق التي بها يحكمون على الحديث بالتواتر من كتب الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع والمصنفات وغيرها . والمزاعم المجرّدة عن الدليل لا يهزم بها حق ، ولا ينصر بها باطل ، بل ترتدّ إلى زاعمها هزيما كما صدر ، ويقال لقائلها : « ما هكذا تورد الإبل يا بطل ! » . وإن دلّت هذه الظاهرة منه على شيء ، إنما دلّت على أنه يريد التشكيك في السنة ودلالتها ، كما فعل مثل ذلك في دلالة الكتاب الكريم ، فنوصيه أن يقلع عن هذا ، ويحذر من المخاطرة بنفسه فيما لا قبل له به ، لأن الحقّ ظاهر لا يستره التمويه عن الأبصار ، والباطل مفضوح كائنا من كان ناصره ، وأوّل فخر لمن يقوم بالتدليل على تواتر خبر أن يسرد أسماء الصحابة الذين قاموا بروايته ، ثم التابعين ، ثم وثم طبقة فطبقة ، والاستياء من مثل هذا الجيش العرمرم ، شأن من يكون في صفّ الباطل وانهزم . ولا أدري ما هو الداعي له إلى ذكر التعصّب المذهبي في خلع لقب التواتر على خبر الآحاد في نظره ، ونزول عيسى ليس اعتقاد أهل مذهب فقط ، بل المسألة إجماعية لا يوجد مذهب ينفيها ، فدونك « الفقه الأكبر » رواية حماد ، و « الفقه الأبسط » رواية أبي مطيع ، و « الوصية » رواية أبي يوسف ، و « عقيدة الطحاوي » ، يظهر منها أنّ اعتقاد نزول عيسى مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأتباعهم ، وهم شطر الأمة المحمدية . وكذا مالك وأصحابه وأتباعه ، والشافعيّ وأصحابه وأتباعه ، وليس أحد منهم ينكر نزول عيسى ، ولأحمد بن حنبل كتابات بعث بها إلى أصحابه في بيان معتقد أهل السنة ، وفي جميعها هذه المسألة ، وتلك الرسائل مروية بأسانيدها عند أهل العلم ، مدوّنة في « مناقب أحمد » لابن الجوزي ، وفي « طبقات الحنابلة » لابن أبي يعلى وغيرهما ، وكذا الظاهرية . وتصريح ابن حزم بنزوله عليه السلام موجود في 3 : 249 من « الفصل » ، وفي 1 : 9 وفي 7 : 391 من « المحلى » ، بل المعتزلة كذلك كما يظهر من كلام الزمخشري ،